الحلبي
334
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
فو اللّه ما لكم عند اللّه عذر الحديث . وفيه قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « رحمه اللّه نصح للّه ولرسوله حيا وميتا » وخلف بنتين فأعطاهما رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من ميراثه الثلثين فكان ذلك بيان المراد من الآية ، وهي قوله تعالى فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ [ النّساء : الآية 11 ] وفي ذلك نزلت : أي اثنتان فما فوقهما . أي وحينئذ لا يحتاج إلى قياس البنتين على الأختين ، بجامع أن للواحدة منهما النصف . ودخلت بنت له على أبي بكر رضي اللّه عنه فألقى لها رداءه لتجلس عليه ، فدخل عمر رضي اللّه عنه فسأله عنها . فقال : هذه ابنة من هو خير مني ومنك . قال : ومن هو يا خليفة رسول اللّه ؟ قال : رجل تبوأ مقعده من الجنة وبقيت أنا وأنت ، هذه ابنة سعد بن الربيع رضي اللّه عنه . وخرج رسول اللّه يلتمس عمه حمزة بن عبد المطلب رضي اللّه عنه . فقال له رجل : رأيته بتلك الصخرات وهو يقول : أنا أسد اللّه وأسد رسوله : اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء النفر أبو سفيان وأصحابه ، وأعتذر إليك مما صنع هؤلاء بانهزامهم وهذا الدعاء نقل عن أنس بن النضر عم أنس بن مالك خادم النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فإنه غاب عن بدر فشق عليه ذلك ، فلما كان يوم أحد ورأى انهزام المسلمين ، أي وكان قد قال للنبي صلى اللّه عليه وسلم : يا رسول اللّه إني غبت عن أوّل قتال وقع قاتلت فيه المشركين واللّه لئن أشهدني اللّه قتال المشركين ليرين اللّه ما أصنع . فقال : اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء : يعني أصحابه ، وأبرأ إليك مما فعل هؤلاء : يعني المشركين . ولما سمع قتل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، قال : ما تصنعون بالحياة بعده ، موتوا على ما مات عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . ثم استقبل القوم . أي وقال لسعد بن معاذ : هذه الجنة ورب الكعبة أجد ريحها دون أحد ، وقاتل رضي اللّه عنه حتى قتل . أي ووجدوا فيه بضعا وثمانين جراحة ، ما بين ضربة بسيف أو طعنة برمح ، أو رمية بسهم . ولما قتل مثل به المشركون ، فما عرفته أخته الربيع إلا ببنانه . قال ابن أخيه أنس بن مالك رضي اللّه عنه : لما نزل قوله تعالى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ [ الأحزاب : الآية 23 ] الآية ، قلنا إن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه من المؤمنين رضي اللّه عنه . فجاء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نحو حمزة فوجده ببطن الوادي قد بقر بطنه ومثل به فجدع أنفه وأذناه ، أي وقطعت مذاكيره ، فنظر صلى اللّه عليه وسلم إلى شيء لم ينظر إلى شيء قط كان أوجع لقلبه منه . أي وقال « لن أصاب بمثلك ، ما وقفت موقفا أغيظ لي من هذا ، وقال : رحمة اللّه عليك ، فإنك كنت ما علمتك ، فعولا للخيرات ، وصولا للرحم ، أما واللّه لأمثلنّ بسبعين » وفي رواية « بثلاثين رجلا منهم مكانك » وفي رواية « لئن ظفرني اللّه تعالى بقريش في موطن من المواطن لأمثلن بسبعين منهم مكانك » ولما